شبح البطالة يتربص بالخريجين بسبب ضعف النمو الاقتصادي

img
شبح البطالة يتربص بالخريجين بسبب ضعف النمو الاقتصادي

في ظرف شهر واحد، عبّرت كل من المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب عن قلق كبير إزاء ضُعف النمو الاقتصادي المسجل منذ سنوات والذي لا يكفي لتوفير مناصب الشغل الكافية لامتصاص شبح البطالة المتربص بنسبة كبيرة من الخريجين.

يتعلق الأمر بمؤسستين لهما وزنهما الكبير في المغرب، فالأولى مؤسسة عمومية مسؤولة عن إنتاج وتحليل ونشر الإحصاءات الرسمية، والثانية تسهر على تحديد وتطبيق السياسة النقدية والسهر على حسن سير السوق النقدية وتولى مراقبتها والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار المالي.

تحذيرات المؤسستين جاءت في وقت لا يزال الاقتصاد الوطني مرهوناً بشكل كبير بالمواسم الفلاحية الجيدة والضعيفة، مقابل تزايد الانتظارات الاجتماعية على المستوى الداخلي والتغيرات الكبرى المحفوفة بالشكوك على الصعيد الخارجي.

وتسير هذه المؤشرات السلبية عكس تعهدات حكومة سعد الدين العثماني، التي وضعت ضمن برنامجها الحكومي سنة 2017 هدفاً لبلوغ متوسط نمو سنوي بين 4.5 في المائة و5.5 في المائة في أفق سنة 2021، وهو تاريخ نهاية ولايتها.

سنة صعبة

في العاشر من يوليوز المنصرم، كانت المندوبية السامية للتخطيط قد أشارت في توقعاتها إلى أن سنة 2019 ستعرف تراجعاً في أنشطة الاقتصاد الوطني نتيجة انخفاض أنشطة القطاع الفلاحي بعد النتائج الجيدة المسجلة خلال الموسمين الماضيين.

ويبدو تأثر الاقتصاد الوطني بالقطاع الفلاحي بشكل كبير في تسجيله انخفاضاً في قيمته المضافة بـ%2.1، ليسجل مساهمةً سالبةً في نمو الناتج الداخلي الإجمالي بـ0.3 – نقطة سنة 2019 عوض مساهمة موجبة بـ0.3 نقطة خلال السنة الماضية.

وبناء على توقعات المؤسسة التي تعنى بالأرقام الإحصائية، سيُسجل الناتج الداخلي الإجمالي نمواً بـ%3.4 سنة 2020 عوض 2.7 في المائة المتوقعة سنة 2019، وهي نسبتان ضعيفتان جداً مقابل مستويات البطالة التي ما زالت مرتفعة في صفوف الشباب.

وفي تحليل منتقد، دعت المندوبية الحكومة إلى عدم تركيز الاهتمام على أنشطة المهن العالمية على حساب النهوض بالقطاعات الصناعية الأخرى، خصوصاً الصناعات الغذائية وصناعة النسيج، والتي لطالما ساهمت في تعزيز الشغل والصادرات.

وذهبت المندوبية إلى تحديد ما يتوجب على الحكومة فعله من خلال الاهتمام أكثر بالأنشطة الفلاحية، خاصة الحوامض والصناعة التحويلية؛ لأنها تسجل ضعفاً في نمو حصة صادراتها وتركيزها على عدد محدود من الشركاء الاقتصاديين.

كما نبهت المندوبية إلى معاناة صناعة النسيج والجلد من ضعف قدرتها التنافسية من حيث الأسعار والجودة والابتكار وكذلك اعتمادها على المدخلات المستوردة، الشيء الذي يبرر ضعف أنشطتها أمام العرض الخارجي، بعدما كان قبل عقود مضت مشغلاً كبيراً لليد العاملة.

توجيه المندوبية كان بمثابة تحذيرات للحكومة من التباهي الزائد بما أطلقت عليها المنظومات الصناعية؛ من بينها السيارات والطائرات، والتي بالمناسبة ما زالت تسجل نسب اندماج في حدود 60 في المائة، ما يعني أن الأمر لا يتعدى أن يكون كما يصفه عدد من الاقتصاديين بالمناولة الخدماتية لمصنعي كبار يبحثون عن تحفيزات ضريبية ويد عاملة رخيصة بدون رهان لنقل المعرفة والتكنولوجيا.

قلق وشكوك

قبل أيام، قدم عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، التقرير السنوي إلى الملك محمد السادس، أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه مثير للقلق؛ فقد جاء فيه أن بلدنا شهدت وضعية صعبة سنة 2018 لم تمكنه من تقليص العجز على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

ويؤكد التقرير أن المغرب أصبح يواجه صُعوبات متواصلة في السنوات الأخيرة بعد أن كان أداؤه ملحوظاً خلال العقد الأول من الألفية، حيث بات الضعف الذي تشهده الأنشطة الفلاحية منذ سنة 2013 مدعاة للقلق بعدما ارتفعت قيمتها المضافة بنسبة لم تتجاوز 2.3 في المائة عوض 4.6 في الفترة الممتدة بين 2000 و2012.

هذا الأمر جعل النمو الإجمالي مرهوناً بتناوب المواسم الجيدة والضعيفة، حيث سجل نسبة سنوية متوسطة لا تتعدى 3.3 في المائة، وذهب الجواهري إلى القول: “في حالة استمرار هذا الوضع قد يُصبح أمل الالتحاق بالاقتصادات الصاعدة صعب التحقيق حتى في أبعد الآجال”.

أكثر من ذلك، يشير التقرير إلى أن السنوات الست الماضية عرفت تركز تسعة من عشرة مناصب شغل محدثة، عوض 7 من قبل، في قطاع الخدمات خاصة التجارة والخدمات الشخصية حيث يسود القطاع غير المهيكل.

الثورة الرقمية

حسب بنك المغرب، تظل الآفاق المستقبلية للمغرب محاطة بالشكوك، ويربط ذلك بالبطء في تنفيذ رؤية 2030 للتربية والتكوين إلى جانب الخلافات حول سبل تطبيقها؛ وهو ما قد يؤدي إلى استمرار ضُعف أداء النظام التعليمي والتربوي الذي بلغ، حسب الجواهري، درجةً مثيرةً للقلق قد تسفر عن الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي لأجيال من الأطفال والشباب.

وبالإضافة إلى ذلك، أثار بنك المغرب آثار الثورة الرقمية والتي فرضت تصاعداً كبيراً في متطلبات سوق الشغل وبالتالي تزايد صعوبة الولوج إلى عالم الشغل بالنسبة إلى شرائح كبرى من اليد العاملة غير المؤهلة لمهن المستقبل.

وما يزيد الوضع سوءاً، حسب البنك المركزي المغربي، هو اجتذاب الاقتصادات المتقدمة لكفاءات البلدان النامية والذي ينتج عنه كل سنة هجرة أفواج من الخريجين تُغريهم شروط أفضل للعمل.

كما أن الإقصاء من سوق الشغل واستمرار مستوى عال من التفاوتات الاجتماعية، التي تزيد مواقع التواصل الاجتماعي من حدتها في منظور السكان، يُفاقم الإحساس بالتهميش ويضعف التماسك الاجتماعي.

ضعف الاستثمار الخاص

يشير تقرير بنك المغرب بشكل واضح إلى مكامن الخلل، ويقول إن ضُعف النمو والتشغيل نتيجة مباشرة لتراجع الاستثمار الخاص على الرغم من التحفيزات الكثيرة التي توفرها الدولة وتطور النظام المالي بصورة كبيرة مقارنة بالبلدان المثيلة.

وما يزيد الوضع سوءًا هو تفشي كل من القطاع غير المهيكل والممارسات غير الشريفة والفساد وتأخر آجال الأداء، وهي تؤدي مجتمعةً إلى تقسيم وإضعاف وإنهاك النسيج الاقتصادي، بحيث أصبح هذا الأخير مهيمناً بالمقاولات الصغيرة جداً بنسبة 90 في المائة.

كما أن ضُعف المردودية لدى المقاولات يتمثل في أن ما يقارب ثلثي المقاولات تصرح بنتيجة منعدمة أو بالعجز؛ في حين توفر ما لا يتجاوز 1 في المائة منها فقط أكبر من 80 في المائة من مداخيل الضريبة على الشركات، كما أن نسبة هذه الأخيرة التي تنجح في الوصول إلى الأسواق الخارجية ضعيفة جداً.

ما العمل؟

يؤكد تقرير بنك المغرب أن كل النتائج المحققة في السنوات الأخيرة تبقى بعيدة كل البعد عما كان متوقعاً، كما أنها تسجل بالتزامن مع انتهاء آجال مجموعة من الإستراتيجيات القطاعية التي كان من المفروض أن تسهم جميعها في الدفع بالنمو وبالتشغيل وإفراز نسيج إنتاجي تنافسي.

وتبقى العودة بالمغرب إلى مسار نمو مطرد، حسب بنك المغرب، مرهوناً بالمضي في الإصلاحات ورفعاً في مستوى فعاليتها ومردوديتها، إضافة إلى القيام بعمليات تقييم موضوعية ومستقبلة ومنتظمة من أجل إدخال التعديلات اللازمة وتحسين الاختيارات في المستقبل.

ويرى البنك المركزي أن اللجوء إلى تبطيء دعم الميزانية يبدو اختياراً ملائماً في مناخ يتسم بضعف النمو وتزايد الحاجيات الاجتماعية الملحة؛ لكن البنك أشار إلى أن ارتفاع مستوى المديونية يستلزم المزيد من اليقظة، ومن شأن تعبئة الموارد بشكل أكبر وتحري الفعالية في النفقات أن يساهم في الاستجابة لمختلف المتطلبات.

لا مبالاة

ليست المرة الأولى التي تُصدر مؤشرات مقلقة عن المندوبية السامية للتخطيط والبنك المركزي المغربي؛ لكن علاقاتهما مع الحكومة لو تكن يوماً جيدة، فكثيراً ما قوبلت أرقام التشغيل الحقيقية التي تصدرها المندوبية بالرفض من طرف القطاعات الحكومية.

هذه مؤسستان لهما من التجربة الكبيرة ما يؤهلهما لتقديم أرقام حقيقية عن وضع المغرب ولو كان مراً، وهذا هو المطلوب فيهما؛ لكن أن تختار الحكومة ألا تأخذ بما تنتجه من أرقام وتحذيرات وتقارير تدق ناقوس الخطر؛ فهذا أمر يدعو إلى التساؤل.

نشر الخبر على الواتساب

Author : بلوس24

بلوس24

RELATED POSTS

Leave A Reply